|
|
#1 | |
|
عيساوي نشيط
![]() |
![]() ![]() يوم أن كانت رائحة الطين العبقة تحتضن الذكريات الجميلة لمساكن ضيقة جداً لا مكان فيها للخصوصية ولا للرفاهية . كانت القلوب صافية نقيةً تتحمل من شظف العيش الكثير وتغدق الطيبة للقريب والبعيد بلا استثناء . كانت القرية بأكملها أسرةً مترابطة ، والأسرة المُكونة من خمسة أو ستة عوائل إخواناً متكاتفين لا يفرقهم شيء ، كسب الرزق قد يُبعدُهم عن ذويهم ، لكن لا يؤخرهم عن الواجب أو فعل المعروف . ![]() قلة ذات اليد والعطش والجوع لم يشتت شملهم أبداً أو يبعثرهم كما الرمال في الصحراء أبداً بل جعل أياديهم متكاتفة فظهر أحدهم سندٌ لأخيه ومايشغل فكر أحدهم لاينام لأجله محبيه. ![]() الأب رب الأسرة وقبطان السفينة ، له هيبته واحترامه ، يسعد أبناءه ببره ، عطوفاً رحيماً بهم ، يتحمل الصعاب لأجلهم ، ينتظر اللحظة التي يكبر فيها الأولاد فيصبحوا رجالاً يعتمد عليهم ، و يربيهم على الدين والأخلاق ، والصلة والآداب ،هم كظله وتحت نظره .. أما الأم فالصدر الحنون التي يلجأ إليها الكبير قبل الصغير ، توجه وتُعلم وتكدح في عملها مع زوجها في الحقول ، ومع ذلك لا تكل ولاتمل ، تصلح الطعام ، وتغسل الثياب ، وتكنس وتنظف البيت ، هذه مسئوليتها تؤديها على أكمل وجهة مبتغية الأجر من الله لاتخرج إلا لحاجة ، ولا تثقل كاهل زوجها بالطلبات . راحتها حين ترى زوجها و أولادها يرفلون بالصحة والعافية . شاكرة ذاكرة لربها ، ومنها تستق البنيات الكلام ، وطيب الخصال والعفاف و الستر والحياء . لا يكاد يُسمع صوتهن لدى الرجال الأجانب ، وإن خرجن شددن عليهن الثياب حتى لا يتكشفن . بارات بوالدتهن ، يفضفضن لها عن كل شيء حتى لايبقى في النفوس إلا الصفاء والنقاء . البيت الواحد قد يجتمع جد وجدة ، وأعمام وعمات ، ولاضير في ذلك . هم كخلية نحل في الجد والعمل ونبذ الكسل . القلوب في ذاك الزمان لم تعتريها الأمراض بعد ، ولم يتسلط عليها الشيطان ، القلوب لم يُنكت فيها نُكتاً سوداء ، بل كانت بصفاء النية كقطعة كُرسف بيضاء . . بيوت الطين والرحى والزير وخوصُ النخلِ يُصنعُ منها الحصِير . وثوبٌ مرقعٌ يُلبس في الصيفِ وفي الربيع .. ![]() هذه حالتهم بُسطاء يكدحون الليل والنهار لأجل لقمة العيش . متوكلين على الله ، متقربين إليه بالطاعات ، كلما جن الظلام فزعوا بين يديه ، سائلينه أن يغفر لهم خطاياهم ، ويصلح ذرياتهم . ![]() آهةٌ حرى خرجت من جوفي ، وأنا أتأمل الجدران المتشققة ، والسقف المتهالك ، وبقايا نافذةٍ لم يبق منها سوى سياجها الحديدي المتين وكأنه يتحدى الزمن . ماذا لو كنا نسكُنُ هذا البيت سؤالٌ قفز إلى ذهني مباشرة وبدون استئذان . هل سيكفينا المكان ؟بالطبع لا . لكني لازلت أذكر كلام جدتي فهي تقول الوسع في القلوب لا في الدور صدقت والله . وإلا كيف تحمل هذا البيت جدي وجدتي ، وخالاتي وأخوالي .. هاهو صوت السيارة لابد أنه أخي ، يبدوا منزعجاً فقد تأخرتُ عليه بضع ثوان ، وهو جالسٌ في سيارته المكيفة التي اشتراها مؤخراً . تمتمت في نفسي : إذن كيف سيكون حالُك لو ركبت الإبل ، وأمضيت شهراً تقطع المفاوز والقفارفي لهيب الهواجر . انتبه إلي وعلامات التعجب تلوح في ذهنه . عُدنا والعودُ أحمد . الواجهة الرخامية التي تزين القصر وتنعكس عليها الشمس تظهره كقطعة ألماس نادرة الوجود . كل من يمر من هنا يبتسم ظناً منه أن من بداخل هذا المنزل سعداء لفرط غناهم . نزلت من السيارة بتأفف والخادمة عبثاً تحاول أخذ عباءتي مع موجز النشرة المعتادة وبلكنتها : ما ما في برا بابا في شوغل أ...... ![]() جلست على الأريكة والنوافذ الزجاجية التي تكشف نصف البيت تشد بصري إلى الحديقة . بينما يبدو صمتي ذو صدى لإتساع المكان وخلوه إلا من بعض التحف التي انتقيت بعناية . لقد تساويت مع هذه الجمادات فنحن نجلس في مكان واحد ولا أكاد أنبس وإياها ولا ببنت شفة [ ![]() نحن في هذا القصر لا نجتمع عفواً لا نتقابل إلا بمحض الصدف . أبي مشغولٌ دائماً ، وأمي لا تكاد تجلس في البيت ، وإخوتي مع أصدقائهم ولا يرجعون قبل منتصف الليل . وأخواتي ......!طرقٌ على الباب .... - من ؟ آه إنها الخادمة تسألني عن ما إذا كنت أريد طعام العشاء . ليس لي رغبةٌ في شيء . هنا كلُ شيء يُدار بالريمُوت كنترول حتى ننعم بالرخاء . سبع خادمات إضافة إلى طباخة وسائقين . صديقاتي يحسدنني على النعمة ودائماً ما يتمنين أن يعشن ملكات على حد قولهن . لكن وبكل صراحة أنا من يحسدهن على حياتهن يكفي أنهم أسر مترابطة صحيح أن أغلبهن يعانين الفاقة لكنهن بالتأكيد أسعد مني . إنهن يجدن من يتكلمن معه ، ويمنحهن الحب والحنان يجدن من يوجههن إذا أخطأت إحداهن . ![]() رأسي يكاد ينفجر قصر الألماس أم بيت الطين لا مجال للمقارنة . * * قصـر الألماس وما مـنه الا التكبر والطمع وقلة الراحة وتشتت أفراد العائلة بيت الطين نرى التواضع والحب ولم الشمل به والحـب الاسري |
|
|
|
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|