|
|
#261 | |
|
رئيسة القسم الثقافي
![]() ![]() |
درس من كاما سوطرا محمود درويش - فلسطين بكأس الشراب المرصّع باللازرود انتظرها، على بركة الماء حول المساء وزهر الكولونيا انتظرها، بصبر الحصان المعدّ لمنحدرات الجبال انتظرها، بسبع وسائد محشوة بالسحاب الخفيف انتظرها، بنار البخور النسائي ملء المكان انتظرها، برائحة الصندل الذكرية حول ظهور الخيول انتظرها، ولا تتعجل فإن اقبلت بعد موعدها فانتظرها، وإن أقبلت قبل موعدها فانتظرها، ولا تُجفل الطير فوق جدائلها وانتظرها، لتجلس مرتاحة كالحديقة في أوج زينتها وانتظرها، لكي تتنفس هذا الهواء الغريب على قلبها وانتظرها، لترفع عن ساقها ثوبها غيمة غيمة وانتظرها، وخذها إلى شرفة لترى قمراً غارقاً في الحليب انتظرها، وقدم لها الماء، قبل النبيذ، ولا تتطلع إلى توأمي حجل نائمين على صدرها وانتظرها، ومسّ على مهل يدها عندما تضع الكأس فوق الرخام كأنك تحمل عنها الندى وانتظرها، تحدث اليها كما يتحدث ناي إلى وتر خائف في الكمان كـأنكما شاهدان على ما يعد غد لكما وانتظرها ولمّع لها ليلها خاتما خاتما وانتظرها إلى ان يقول لك الليل: لم يبق غيركما في الوجود فخذها، برفق، إلى موتك المشتهى وانتظرها!... |
|
|
|
|
|
|
#262 | |
|
رئيسة القسم الثقافي
![]() ![]() |
سوناتا محمود درويش - فلسطين إذا كنت آخر ما قاله الله لي، فليكن نزولك نون ال "أنا" في المثنى. وطوبى لنا لقد نور اللوز بعد خطى العابرين، هنا على ضفتيك، ورف عليك القطا و اليمام بقرن الغزال طعنت السماء، فسال الكلام ندى في عروق الطبيعة. ما اسم القصيدة أمام ثنائية الخلق و الحق، بين السماء البعيدة وأرز سريرك، حين يحن دم لدم، ويئن الرخام؟ ستحتج أسطورة للتشمس حولك. هذا الرخام الهات مصر وسومر تحت النخيل يغيرن أثوابهن و أسماء أيامهن، ويكملن رحلاتهن إلى آخر القافية وتحتاج أنشودتي للتنفس : لا الشعر شعر ولا النثر نثر . حلمت بأنك آخر ما قاله لي الله حين رأيتكما في المنام، فكان الكلام |
|
|
|
|
|
|
#263 | |
|
رئيسة القسم الثقافي
![]() ![]() |
إن مشيت على شارع ٍ محمود درويش - فلسطين إن مشيت علي شارع لا يؤدي إلى هاوية قل لمن يجمعون القمامة: شكراً! إن رجعت إلي البيت، حياً، كما ترجع القافية بلا خللٍ، قل لنفسك: شكراً! إن توقعت شيئاً وخانك حدسك، فاذهب غداً لتري أين كنت وقل للفراشة: شكراً! إن صرخت بكل قواك، ورد عليك الصدى (من هناك؟) فقل للهوية: شكراً! إن نظرت إلي وردة دون أن توجعك وفرحت بها، قل لقلبك: شكراً! إن نهضت صباحاً، ولم تجد الآخرين معك يفركون جفونك، قل للبصيرة: شكراً! إن تذكرت حرفاً من اسمك واسم بلادك كن ولداً طيباً! ليقول لك الربُّ: شكراً ... |
|
|
|
|
|
|
#264 | |
|
رئيسة القسم الثقافي
![]() ![]() |
مقهى وأنت مع الجريدة محمود درويش - فلسطين مقهى، وأنت مع الجريدة جالس لا، لست وحدك. نصف كأسك فارغ والشمس تملأ نصفها الثاني ... ومن خلف الزجاج تري المشاة المسرعين ولا تُرى [إحدي صفات الغيب تلك: ترى ولكن لا تُرى] كم أنت حر أيها المنسي في المقهى! فلا أحدٌ يرى أثر الكمنجة فيك، لا أحدٌ يحملقُ في حضورك أو غيابك، أو يدقق في ضبابك إن نظرت إلى فتاة وانكسرت أمامها.. كم أنت حر في إدارة شأنك الشخصي في هذا الزحام بلا رقيب منك أو من قارئ! فاصنع بنفسك ما تشاء، إخلع قميصك أو حذاءك إن أردت، فأنت منسي وحر في خيالك، ليس لاسمك أو لوجهك ههنا عمل ضروريٌ. تكون كما تكون ... فلا صديق ولا عدو يراقب هنا ذكرياتك / فالتمس عذرا لمن تركتك في المقهى لأنك لم تلاحظ قَصَّة الشَّعر الجديدة والفراشات التي رقصت علي غمازتيها / والتمس عذراً لمن طلب اغتيالك، ذات يوم، لا لشيء... بل لأنك لم تمت يوم ارتطمت بنجمة.. وكتبت أولى الأغنيات بحبرها... مقهى، وأنت مع الجريدة جالسٌ في الركن منسيّا، فلا أحد يهين مزاجك الصافي، ولا أحدٌ يفكر باغتيالك كم انت منسيٌّ وحُرٌّ في خيالك |
|
|
|
|
|
|
#265 | |
|
رئيسة القسم الثقافي
![]() ![]() |
هو لا غيره محمود درويش - فلسطين هو، لا غيره، من ترجل عن نجمة لم تصبه بأيّ أذى. قال: أسطورتي لن تعيش طويلاً ولا صورتي في مخيلة الناس / فلتمتحني الحقيقة قلت له: إن ظهرت انكسرت، فلا تنكسر قال لي حُزْنُهُ النَّبٌَّوي: إلي أين أذهب؟ قلت إلى نجمة غير مرئية أو إلى الكهف/ قال يحاصرني واقع لا أجيد قراءته قلت دوّن إذن، ذكرياتك عن نجمة بعُدت وغد يتلكأ، واسأل خيالك: هل كان يعلم أن طريقك هذا طويل؟ فقال: ولكنني لا أجيد الكتابة يا صاحبي! فسألت: كذبت علينا إذاً؟ فأجاب: على الحلم أن يرشد الحالمين كما الوحي / ثم تنهد: خذ بيدي أيها المستحيل! وغاب كما تتمنى الأساطير / لم ينتصر ليموت، ولم ينكسر ليعيش فخذ بيدينا معاً، أيها المستحيل |
|
|
|
|
|
|
#266 | |
|
رئيسة القسم الثقافي
![]() ![]() |
حين تطيل التأمل محمود درويش - فلسطين حين تطيل التأمل في وردةٍ جرَحَت حائطاً، وتقول لنفسكَ : لي أملٌ في الشفاء من الرمل / يخضر قلبُكَ... حين ترافق أنثى إلى السيرك ذات نهار جميل كأيقونة ... وتحلًّ كضيف على رقصة الخيل / يحمر قلبُكَ... حين تعُدُّ النجوم وتخطئ بعد الثلاثة عشر، وتنعس كالطفل في زرقة الليل / يبيض قلبُكَ... حين تسير ولا تجد الحلم يمشي أمامك كالظل / يصفر قلبُكَ... |
|
|
|
|
|
|
#267 | |
|
رئيسة القسم الثقافي
![]() ![]() |
لم ينتظر أحداً محمود درويش - فلسطين لم ينتظر احداً، ولم يشعر بنقص في الوجود، أمامه نهرٌ رماديٌ كمعطفه، ونور الشمس يملأ قلبه بالصحو والاشجار عاليةٌ/ ولم يشعر بنقصٍ في المكان، المقعد الخشبي، قهوته، وكأس الماء والغرباء، والاشياء في المقهى كما هي، والجرائد ذاتها: أخبار أمس، وعالمٌ يطفو على القتلى كعادته/ ولم يشعر بحاجته إلى أملٍ ليؤنسه كأن يخضوضرالمجهول في الصحراء أو يشتاق ذئب ما إلى جيتارةٍ فلن يقوى على التكرار...أعرف آخر المشوارمنذ الخطوة الأولى- يقول لنفسه- لم أبتعد عن عالمٍ، لم أقترب من عالم لم ينتظر أحداً..ولم يشعر بنقص في مشاعره. فما زال الخريف مضيفه الملكي، يغريه بموسيقى تعيد إليه عصر النهضة الذهبيّ...والشعر المقفى بالكواكب والمدى لم ينتظر أحداً أمام النهر/ في اللا انتظار أصاهر الدوريّ في اللا انتظار أكون نهراً-قال- لا أقسو على نفسي، ولا أقسو على أحد، وأنجو من سؤال فادح: ماذا تريد ماذا تريد؟ |
|
|
|
|
|
|
#268 | |
|
رئيسة القسم الثقافي
![]() ![]() |
وأنت تعدّ فطورك محمود درويش - فلسطين لا تنس قوت الحمام وأنت تخوض حروبك فكّر بغيرك لا تنس من يطلبون السلام وأنت تسدّد فاتورة الماء، فكّر بغيرك من يرضعون الغمام وانت تعود إلى البيت ، بيتك ، فكّر بغيرك لا تنس شعب الخيام وأنت تنام و تحصي الكواكب ، فكّر بغيرك ثمّة من لم يجد حيّزاً للمنام وأنت تحرّر نفسك بالاستعارات، فكّر بغيرك من فقدوا حقّهم في الكلام وأنت تفكّر بالآخرين البعيدين ، فكّر بنفسك قل: ليتني شمعةٌ في الظلامْ |
|
|
|
|
|
|
#269 | |
|
رئيسة القسم الثقافي
![]() ![]() |
لا ينظرون وراءهم محمود درويش - فلسطين لا ينظرون وراءهم ليودِّعوا منفى، فإنَّ أمامهم منفى، لقد ألِفوا الطريق الدائريَّ، فلا أمام ولا وراء، ولا شمال ولا جنوب. "يهاجرون" من السياج الى الحديقة. يتركون وصيةً في كل مترٍ من فناء البيت: "لا تتذكروا من بعدنا إلا الحياة"... "يسافرون" من الصباح السندسي الى غبارٍ في الظهيرة، حاملين نُعوشَهُم ملأى بأشياء الغياب: بطاقة شخصية، ورسالةٍ لحبيبةٍ مجهولةِ العنوانِ: "لا تتذكري من بعدنا إلا الحياة" و"يرحلون" من البيوت الى الشوارع، راسمين إشارة النصر الجريحة، قائلين لمن يراهُمْ: "لم نَزَلْ نحيا، فلا تتذكّرونا"! يخرجون من الحكاية للتنفُّس والتشمُّس. يحلُمون بفكرةِ الطيرانِ أعلى... ثم أعلى. يصعدون ويهبطون. ويذهبون ويرجعون. ويقفزون من السيراميك القديم الى النجوم. ويرجعون الى الحكاية... لا نهاية للبدايةِ. يهربون من النعاس الى ملاك النوم، أبيضَ، أحمرَ العينين من أثر التأمُّل في الدم المسفوك: "لا تتذكروا من بعدنا إلا الحياة"... |
|
|
|
|
|
|
#270 | |
|
رئيسة القسم الثقافي
![]() ![]() |
هو هادئٌ ، وأنا كذلك محمود درويش - فلسطين هوَ هادئٌ، وأنا كذلك يحتسي شاياً بليمونٍ، وأشربُ قهوةً، هذا هو الشيءُ المغايرُ بيننا. هوَ يرتدي، مثلي، قميصاً واسعاً ومُخططاً وأنا أطالعُ، مثلَهُ، صُحُفَ المساءْ. هو لا يراني حين أنظرُ خلسةً، أنا لا أراه حين ينظرُ خلسةً، هو هادئٌ، وأنا كذلك. يسألُ الجرسون شيئاً، أسألُ الجرسونَ شيئاً... قطةٌ سوداءُ تعبُرُ بيننا، فأجسّ فروةَ ليلها ويجسُّ فروةَ ليلها... أنا لا أقول لَهُ: السماءُ اليومَ صافيةٌ وأكثرُ زرقةً. هو لا يقول لي: السماءُ اليوم صافيةٌ. هو المرئيُّ والرائي أنا المرئيُّ والرائي. أحرِّكُ رِجْليَ اليُسرى يحرك رجلَهُ اليُمنى. أدندنُ لحن أغنيةٍ، يدندن لحن أغنية مشابهةٍ. أفكِّرُ: هل هو المرآة أبصر فيه نفسي؟ ثم أنظر نحو عينيه، ولكن لا أراهُ... فأتركُ المقهى على عجلٍ. أفكّر: رُبَّما هو قاتلٌ، أو رُبما هو عابرٌ قد ظنَّ أني قاتلٌ هو خائفٌ، وأنا كذلك |
|
|
|
|