حنظله
12-03-2009, 03:42 PM
قرار موجز
كان من هواة الفلسفة... والحياة بالنسبة له هي مجرد نظرية...لقد بدأ يتفلسف منذ كان طفلا، ويذكر تماما كيف أوجد لنفسه سؤالا شغله طيلة أسبوع كامل، واعتبره مشكلة جديرة بالتفكير العميق: لماذا يلبس الإنسان القبعة في رأسه والحذاء في قدمه؟. لماذا لا يضع على رأسه حذاء ويلبس قبعة في قدمه؟لماذا؟.وفكر بسؤال لماذا لا يمشي الإنسان على كفيه وقدميه شأن سائر الحيوانات...ألا يكون مسيره ذاك مدعاة لراحة أكثر!
الا أن مستوى فلسفته أرتفع مع مسير الزمن. وتوصل مؤخرا لقرار موجز: ( طالما أن الإنسان دفع ليعيش دون أن يؤخذ رأيه بذلك، فلماذا لا يختار هو وحده نهايته ). ومن هذا القرار الموجز توصل إلى قرار أكثر إيجازا: (( الموت هو خلاصة الحياة))..
وهكذا توصل إلى استقرار،دعاه بنهاية المطاف...واخذ ينتظر اللحظة التي يستطيع فيها أن يشرع باختيار طريقة مشرفة لميتة ما.
إذن، فان من يدعي أن عبد الجبار دفع دفعا ليشترك في ثورة.. لا يعرف الحقيقة مطلقا.. فهو قد اختار بنفسه أن يذهب لمركز التطوع وان يقف أمام طاولة الضابط التي لم يكن قد وجد، بعد، بذلة عسكرية ملائمة، أن يقول بصوت ثابت
-أريد بارودة لأستطيع أن اشترك بالثورة..
وسرعان ما كتشف أن قضية البارودة ليست شيئا سهلا بالمرة..وان عليه هو أن يصطاد بارودة ما بالكيفية التي يريد ومن ثم يستطيع أن يشترك بالثورة..
·ولكني قد أموت قبل أن احصل على بارودة..
هكذا قال حانقا، لكنه ما لبث أن سكت وهو يسمع جوابا غريبا، ولكنه صحيح تقريبا:
·وهل أتيت إلى هنا كي تستمتع بصيفية لطيفة... ثم لتعود إلى دارك؟
هنا، فكر أن فلسفته تقتضي تعديلا طفيفا...إذ انه ربما مات قبل أن يحصل على بارودة، ول تنقض فترة طويلة جدا كي يتوصل لقرار موجز جديد: (( ليس المهم أن يموت الإنسان،و أن يحقق فكرته النبيلة...بل المهم أن يجد لنفسه فكرة نبيلة قبل أن يموت..))
وهكذا استطاع عبد الجبار أن يستحصل على بارودة جديدة تقريبا، لم تكلفه جهدا بالشكل الذي تصور أو بالشكل الذي اعد، إذ انه كان يتجول خارج((...)) بعد معركة حدثت في الصباح، فوجد جنديا ميتا،(( والميت لا يحتاج لبارودة))، هكذا قال لنفسه وهو يقلب الجثة عن بارودة فرنسية ذات فوهة مدببة..
وبين رفاق المتراس عرف عبد الجبار ((بالفيلسوف)) ووجد المناضلون في فلسفته منطقا صالحا لتبرير الأمور التي تحدث...كان معظم الثوار من الشباب، وكان يسره انه يكبرهم قليلا وانه يستطيع أن يجمعهم بعد كل معركة ليدرسهم قراره الموجز الجديد بشان الموت..
وبعد كل قتيل، كانت الفلسفة تتطور وتتغير... ففي ليلة مظلمة مات أمي..وقبل أن يسقط فوق المتراس شتم ((...))ورجال ((...))...وفكر عبد الجبار بكلمة تصلح لتأبين الشهيد، فإذا بالكلمة تصبح قراره الموجز الجديد: (( أن الفكرة النبيلة لا تحتاج غالبا للفهم...بل تحتاج للإحساس)) وبعد ليلة واحدة مات شاب كان يزحف قرب الجدار، وأطلقت النار عليه وهو في طريق عودته إلى المتراس..وقال عبد الجبار((أن الشجاعة هي مقياس الإخلاص))
وكان عبد الجبار بالذات شجاعا...فلقد طلب منه الضابط وكان قد توصل أخيرا إلى إيجاد بذلة عسكرية ملائمة، أن يذهب للميناء كي يرى ماذا يجري هنالك، وقال له أن منظر وجهه الهادي الحزين لا يثير الريبة في قلوب الخائفين
وسار عبد الجبار في الشوارع بلا سلاح، ووصل للميناء، وتجول ما شاء له التجول، ثم قفل عائدا إلى متراسه..
أن الأمور تجري عكس ما يفترض المرء...فلقد عرفه واحد ممن اشتركوا مرة في الهجوم...وقبض عليه...وساقه إلى حيث قال له ضابط خائف بعد أن صفعة:
·انك ثائر
·نعم
·ملعون
·كلا
ولم ينس عبد الجبار هو تحت الضرب الذي لا يرحم أن يضع قرارا موجزا جديدا: (( أن ضرب السجين هو تعبير مغرور عن الخوف..))
وشعر، اثر ذلك القرار، بشيء من الارتياح..
ولكن الأمور جرت، من ثم على نحو مغاير، فلقد توصل الضابط أخيرا إلى فكرة اعتبرها بينه وبين أعوانه المخلصين، فكرة ذكية...بينما عدها عبد الجبار تصرفا مغرورا أخر ينتج في العادة عن الخوف..
قال له الضابط:
ستسير أمامنا إلى متراسكم الملعون...وستعلن لرفاقك المجانين انك أحضرت معك عددا جديدا من الثوار..ثم سيكمل جنودي بقية القصة..
·وأنا
·ستعيش معززا مكرما.. أو ستموت كالكلب أن حاولت خيانتنا
قال عبد الجبار في ذات نفسه (( أن الخيانة في حد ذاتها ميتة حقيرة))
وأمام صفين من الجنود سار عبد الجبار مرفوع الجبين، وفوهة مدفع رشاش تنخر خاصرته...وقبل أن يصل المتراس بقليل سمع صوت الضابط المبحوح يفح في الظلام
·هيا
لم يكن عبد الجبار خائفا إذ أن رفاق المتراس قالوا أن صوته كان ثابتا قويا عندما سمعوه يصيح:
- لقد أحضرت لكم خمسين جنديا
لم يكن قد مات عبد الجبار بعد، عندما وصل رفاقه أليه ملقى بين جثث الجنود...وبصعوبة جمة سمع احدهم صوته يملي قراره الموجز الأخير: ((ليس المهم أن يموت احدنا..المهم أن تستمروا)) ثم مات
تحياتي
كان من هواة الفلسفة... والحياة بالنسبة له هي مجرد نظرية...لقد بدأ يتفلسف منذ كان طفلا، ويذكر تماما كيف أوجد لنفسه سؤالا شغله طيلة أسبوع كامل، واعتبره مشكلة جديرة بالتفكير العميق: لماذا يلبس الإنسان القبعة في رأسه والحذاء في قدمه؟. لماذا لا يضع على رأسه حذاء ويلبس قبعة في قدمه؟لماذا؟.وفكر بسؤال لماذا لا يمشي الإنسان على كفيه وقدميه شأن سائر الحيوانات...ألا يكون مسيره ذاك مدعاة لراحة أكثر!
الا أن مستوى فلسفته أرتفع مع مسير الزمن. وتوصل مؤخرا لقرار موجز: ( طالما أن الإنسان دفع ليعيش دون أن يؤخذ رأيه بذلك، فلماذا لا يختار هو وحده نهايته ). ومن هذا القرار الموجز توصل إلى قرار أكثر إيجازا: (( الموت هو خلاصة الحياة))..
وهكذا توصل إلى استقرار،دعاه بنهاية المطاف...واخذ ينتظر اللحظة التي يستطيع فيها أن يشرع باختيار طريقة مشرفة لميتة ما.
إذن، فان من يدعي أن عبد الجبار دفع دفعا ليشترك في ثورة.. لا يعرف الحقيقة مطلقا.. فهو قد اختار بنفسه أن يذهب لمركز التطوع وان يقف أمام طاولة الضابط التي لم يكن قد وجد، بعد، بذلة عسكرية ملائمة، أن يقول بصوت ثابت
-أريد بارودة لأستطيع أن اشترك بالثورة..
وسرعان ما كتشف أن قضية البارودة ليست شيئا سهلا بالمرة..وان عليه هو أن يصطاد بارودة ما بالكيفية التي يريد ومن ثم يستطيع أن يشترك بالثورة..
·ولكني قد أموت قبل أن احصل على بارودة..
هكذا قال حانقا، لكنه ما لبث أن سكت وهو يسمع جوابا غريبا، ولكنه صحيح تقريبا:
·وهل أتيت إلى هنا كي تستمتع بصيفية لطيفة... ثم لتعود إلى دارك؟
هنا، فكر أن فلسفته تقتضي تعديلا طفيفا...إذ انه ربما مات قبل أن يحصل على بارودة، ول تنقض فترة طويلة جدا كي يتوصل لقرار موجز جديد: (( ليس المهم أن يموت الإنسان،و أن يحقق فكرته النبيلة...بل المهم أن يجد لنفسه فكرة نبيلة قبل أن يموت..))
وهكذا استطاع عبد الجبار أن يستحصل على بارودة جديدة تقريبا، لم تكلفه جهدا بالشكل الذي تصور أو بالشكل الذي اعد، إذ انه كان يتجول خارج((...)) بعد معركة حدثت في الصباح، فوجد جنديا ميتا،(( والميت لا يحتاج لبارودة))، هكذا قال لنفسه وهو يقلب الجثة عن بارودة فرنسية ذات فوهة مدببة..
وبين رفاق المتراس عرف عبد الجبار ((بالفيلسوف)) ووجد المناضلون في فلسفته منطقا صالحا لتبرير الأمور التي تحدث...كان معظم الثوار من الشباب، وكان يسره انه يكبرهم قليلا وانه يستطيع أن يجمعهم بعد كل معركة ليدرسهم قراره الموجز الجديد بشان الموت..
وبعد كل قتيل، كانت الفلسفة تتطور وتتغير... ففي ليلة مظلمة مات أمي..وقبل أن يسقط فوق المتراس شتم ((...))ورجال ((...))...وفكر عبد الجبار بكلمة تصلح لتأبين الشهيد، فإذا بالكلمة تصبح قراره الموجز الجديد: (( أن الفكرة النبيلة لا تحتاج غالبا للفهم...بل تحتاج للإحساس)) وبعد ليلة واحدة مات شاب كان يزحف قرب الجدار، وأطلقت النار عليه وهو في طريق عودته إلى المتراس..وقال عبد الجبار((أن الشجاعة هي مقياس الإخلاص))
وكان عبد الجبار بالذات شجاعا...فلقد طلب منه الضابط وكان قد توصل أخيرا إلى إيجاد بذلة عسكرية ملائمة، أن يذهب للميناء كي يرى ماذا يجري هنالك، وقال له أن منظر وجهه الهادي الحزين لا يثير الريبة في قلوب الخائفين
وسار عبد الجبار في الشوارع بلا سلاح، ووصل للميناء، وتجول ما شاء له التجول، ثم قفل عائدا إلى متراسه..
أن الأمور تجري عكس ما يفترض المرء...فلقد عرفه واحد ممن اشتركوا مرة في الهجوم...وقبض عليه...وساقه إلى حيث قال له ضابط خائف بعد أن صفعة:
·انك ثائر
·نعم
·ملعون
·كلا
ولم ينس عبد الجبار هو تحت الضرب الذي لا يرحم أن يضع قرارا موجزا جديدا: (( أن ضرب السجين هو تعبير مغرور عن الخوف..))
وشعر، اثر ذلك القرار، بشيء من الارتياح..
ولكن الأمور جرت، من ثم على نحو مغاير، فلقد توصل الضابط أخيرا إلى فكرة اعتبرها بينه وبين أعوانه المخلصين، فكرة ذكية...بينما عدها عبد الجبار تصرفا مغرورا أخر ينتج في العادة عن الخوف..
قال له الضابط:
ستسير أمامنا إلى متراسكم الملعون...وستعلن لرفاقك المجانين انك أحضرت معك عددا جديدا من الثوار..ثم سيكمل جنودي بقية القصة..
·وأنا
·ستعيش معززا مكرما.. أو ستموت كالكلب أن حاولت خيانتنا
قال عبد الجبار في ذات نفسه (( أن الخيانة في حد ذاتها ميتة حقيرة))
وأمام صفين من الجنود سار عبد الجبار مرفوع الجبين، وفوهة مدفع رشاش تنخر خاصرته...وقبل أن يصل المتراس بقليل سمع صوت الضابط المبحوح يفح في الظلام
·هيا
لم يكن عبد الجبار خائفا إذ أن رفاق المتراس قالوا أن صوته كان ثابتا قويا عندما سمعوه يصيح:
- لقد أحضرت لكم خمسين جنديا
لم يكن قد مات عبد الجبار بعد، عندما وصل رفاقه أليه ملقى بين جثث الجنود...وبصعوبة جمة سمع احدهم صوته يملي قراره الموجز الأخير: ((ليس المهم أن يموت احدنا..المهم أن تستمروا)) ثم مات
تحياتي